الرئيسية » التــاريــخ

التــاريــخ

أسّس الفينيقيّون سوسة في القرن التاسع قبل الميلاد لتكون ملتقى لسفنهم التجاريّة في غربيالبحر الأبيض المتوسّط. وقد شهدت سوسة خلال الفترة الرومانيّة نموّا كبيرا ممّا جعلها تبرز كإحدى أهمّ المدن الإفريقيّة. ولم تعرف المدينة أي حدث مميّز خلال الفترة الونداليّة أو البيزنطيّة أو في بداية العصر الإسلامي. وأمام الهيمنة التي كانت تفرضها البحريّة البيزنطيّة على غربي البحر الأبيض المتوسّط ولوضع حدّ للفوضى التي كانت تسود إفريقيّة طوال القرن الثامن، اختار المسلمون التراجع إلى داخل البلاد في الوقت الذي كانت فيه سوسة تتألّف من عدّة ضيعات محميّة برباطها الذي يمثّل قلعة صغيرة تستعملمركزا للمراقبة وملاذا للسكّان. وفي القرن II وIII هجري / IX م توصّل الأغالبة إلى تحقيق سيطرتهم على البحر وإحلال السلم في البلاد. واختاروا سوسة لتكون قاعدة بحريّة نظرا لقربها من القيروان. وفي سنة 208 هـ / 821 م خصّها الأمير الأغلبي زيادة الله الأوّل بقصبة تضمّ الرباط ودار صناعة السفن أحيطت جميعها بسور وجعل فيها حامية عسكريّة. وبذلك كانت سوسة سنة 212 هـ / 827م نقطة انطلاق لفتح صقليّة، فاحتدّ النزاع بين الأغالبة والبيزنطيين نتج عنه هجمات بحريّة حدثتنا عنها المصادر التاريخيّة. ممّا دفع بالأغالبة الأوائل إلى تعزيز قدراتهم الدفاعيّة. فشيّد الأمير الأغلبي أبو عبّاس سنة 230 هـ / 844 م قصبة جديدة وعديد الرباطات كقصر سهل وقصر الطوب على طول الساحل وفي محيط المدينة لمراقبة الأسطول البيزنطي وإنذار السكّان من كل الأخطار المحدّقة بهم.
استفادت سوسة من مناخ السلم الذي ساد بين العبّاسيين والبيزنطيين فتطوّر عمرانها وبلغت مساحتها 32 هك وتحوّلت من قاعدة عسكريّة إلى إحدى أهمّ المدن بإفريقيّة لتكون المتنفّس البحري للقيروان. وتمّ حلّ مشكلة الماء الصالح للشراب ببناء ماجل الصفرة وهو صهريج روماني قديم وإيصال المياه إلى داخل الأسوار عبر قنوات. كما تطوّرت الحرف خاصّة منها الأقمشة الرفيعة التي راجت بالأسواق الخارجيّة.
أصبحت سوسة منارا دينيّا هامّا، أقام بها عديد الفقهاء والمرابطين الذين درّسوا العلوم الدينيّة أمثال يحي بن عمر (سنة 289 هـ / 902 م) وأبو جعفر السوسي وأبو جعفر الأربصي. وتقلّص دور مدينة سوسة إثر تأسيس الخليفة الفاطمي المهدي مدينة المهديّة سنة 304 هـ / 917 م كما عانت كثيرا من الحصار الذي ضربه عليها أبويزيد مخلّد اين كيداد الخارجي الملقّب بصاحب الحمار سنة 333 هـ / 945 م، إلاّ أنّها استطاعت بالرّغم من ذلك أن تنهض بفضل موقعها الجغرافي ومكانتها الاقتصادية بإفريقيّة. إذ ارتبط ازدهارها تارة بظهيرها الفلاحي وطورا بنشاطها البحري.
مثلت نهاية القرن 4 هـ / 10 م وبداية القرن 5 هـ / 11 م فترة نموّ عمراني كبير. إلاّ أنّه توقّف فجأة مع وصول الهلاليين، وأصبحت ملاذا لعدد كبير من اللاجئين القادمين من المناطق الداخليّة خاصّة من القيروان، كما أدّى تفكّك النظام الاقتصادي لإفريقيّة إلى انحطاط مدينة سوسة على غرار بقيّة المدن الساحليّة. وفضلت المدينة التحرّر من السلطة المركزيّة الزيريّة خليفة الفاطميين في إفريقيّة فاِختارت مجلس جماعة من بين أعيان المدينة لتسيير شؤونها. لكن هذه التجربة الفريدة من نوعها لم تعمّر طويلا حين انعزلت المدينة عن أريافها أثناء سيطرة القائد العربي جبارة بن كامل الموالي للزيريين، وانكمشت على نفسها. ضمّ نورمان صقليّة سوسة مثل العديد من المدن الساحليّة سنة 543 هـ / 1148 م. وبقيت تحت نفوذهم مدّة 12 سنة إلى مجيء الموحدين سنة 555 هـ / 1160 م.

aaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaa
خلال القرن 7 هـ / 13 م أبدى الحفصيّون عناية فائقة بالمدينة فخصّوها بعديد المباني مثل جامع الأخوات والقصبة. ومع بداية القرن 16 م شهدت السلطة المركزيّة الحفصيّة تراجعا. ويذكر ليون الإفريقي الذي زار مدينة سوسة سنة 1526 أنّ ربع أخماس منازلها مهجورة.
وزاد في إضعاف المدينة الحملتين التأدبيّتين التي قام بها الحاكم الحفصي الأخير مولاي حسن وحلفاءه الإسبان.
وفي منتصف القرن السادس عشر استرجع الأتراك المدينة بعد أن تمكنوا من إحلال السّلم بالبلاد، وعرف القرن 11 هـ / 17 م حدثين بارزين. على المستوى الداخلي، تأثّرت سوسة كثيرا جرّاء المعارك الداخليّة الدائرة بين الأخوين محمد باي وعلي باي من سنة 1085 هـ / 1675 م و 1097 هـ / 1686 م ثم خلال مواجهة مراد الثالث وابن عمه رمضان باي الذي التجأ إلى سوسة حيث تمّت ملاحقته واعدامه سنة 1110 هـ / 1699 م. أمّا على المستوى الخارجي فقد ساهمت مثلها مثل جلّ المدن الساحلية في القرصنة التي كانت منتشرة بكامل أرجاء البحر الأبيض المتوسّط وأصبحت بالتالي معرّضة لهجمات الدول الأوروبيّة.

aaaaaaaaaaaa
لقد اختارت سوسة في القرن 12 هـ / 18 م وخلال ثورة علي باشا سنة 1140 هـ / 1728 م على عمّه حسين بن علي الانضمام إلى صف هذا الأخير وأصبحت مسرحا لعدّة معارك إلى أن انتصر الحسينيّون نهائيّا سنة 1171 هـ / 1757 م. واعترافا من الحسينيين بالجميل خصّها محمد باي بحقوق وامتيازات عديدة. وصف الرحّالة دي فونتان Des Fantaines الذي زار البلاد التونسية أواخر القرن الثامن عشر سوسة : ” الأسواق نظيفة، ومقبيّة بطريقة جيّدة، والمساجد جميلة جدّا … والنّاس كثيرون في الأنهج حتّى أنّه يصعب التّجوال بها … ويتعامل السكّان بثقة كبيرة مع المسيحيين. وتصنع الكثير من المنسوجات التي تباع بمبالغ هامّة. ونجد بسوسة تجارة مزدهرة للصوف والفخّار والأحذية والقماش بحسب ذوق البلد”.
ويقول عنها إ. بليسييه في كتابه وصف إيالة تونس (1840-1841) : “إنّ سوسة مسطّرة بطريقة جيّدة، وأنهجها عريضة جدّا ومنازلها قليلة الارتفاع، ممّا يجعلها مضاءة ومهوّأة، وهو ما تتميّز به عن المدن في الشرق، ونجد بها مئذنتين أو ثلاث مآذن ذات بياض مشعّ تمتدّ من خلاله أشجار نخيل رخو وأنيق هنا وهناك فيضفي عليها جوّا شاعريّا ».
وانحازت في القرن 12 هـ / 19 م خلال الثورة التي قادها علي بن غذاهم إلى صفوف الثائرين. وإثر فشل التمرّد قام الجنرال أحمد زرّوق مبعوث الباي بأعمال قمع فضيعة داخل مدينة سوسة التي ما فتئت تفقد قيمتها تدريجيّا إلى أن دخلتها القوات الفرنسيّة في سبتمبر 1881. وكانت وقتئذ قرية يقطنها 8.000 ساكن.